اغلاق
اغلاق
التصويت

هل ستصوت للقائمة المشتركة ؟

نعم

لا

الرئيسية /

مَنْ هو الإرهابيّ: البغداديّ، ترامب أمْ الاثنين؟ زهير أندراوس...

2019-11-01 07:30:15

اعتبر الفيلسوف الألمانيّ هيجل بأنّ الإنسان يشترِك مع الحيوان في حاجاتٍ طبيعيّةٍ كثيرةٍ وأساسيّةٍ، منها على سبيل الذكر لا الحصر: الحاجة إلى الطعام، والمأوى والنوم، والجنس، وغيرها، لكنّه قبل ذلك كلّه يحتاج إلى المُحافظة على حياته، والإبقاء على وجوده واستمرار نوعه، بَيْدَ أنّ الإنسان عند هيجل يختلف اختلافًا جوهريًا عن الحيوان من حيث أنّه لا يشتهي أشياءً ماديّةً محسوسةً فقط، قطعة لحم أوْ خبز أوْ سترة تقيه البرد، وما إلى ذلك من احتياجاتٍ، وإنمّا يشتهي أيضًا أشياءً معنويّةً ضروريّةً، وفي مقدمة ذلك اعتراف البشر بآدميته، كما أنّه يُريد من الآخرين أنْ يعترفوا بأنّه "كائنًا بشريًا" موجودًا له قدره، واحترامه وكرامته وقيمته، ولم يتوقّف هيجل عند هذا الحدّ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما شدّدّ على أنّ الإنسان كثيرًا ما يقبل أنْ يُضّحي بحياته من أجل العمل على صيانة معناها، أيْ معنى حياته. وهذا الذي جعله يذهب إلى أنّ الرغبة، في نيل الاعتراف والتقدير هو مُحرِّك التاريخ، فهي التي تدفع البشر إلى الدخول في عراكٍ مع الحياة حتى الموت، حيثُ يسعى كلّ فردٍ من خلال هذا العراك، إلى اعتراف الآخر بقيمته وجدارته، طبقًا للفيلسوف الألمانيّ ذائع الصيت.
*** 
سُقنا هذه المُقدِّمة القصيرة، كتمهيدٍ لتصفية الإرهابيّ "رقم واحد" (!) في العالم، المدعو أبو بكر البغداديّ، زعيم تنظيم (داعش) الإرهابيّ-الوحشيّ-الإجراميّ من قبل وحدةٍ أمريكيّةٍ خاصّةٍ في شمال شرق سوريّة، يوم الأحد الماضي الـ27 من شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام 2019، وقبل سبر غور تبعات وتداعيات وانعكاسات هذا الحدث الـ"جلل"، لا بُدّ من التشديد على أننّا نرفض جملةً وتفضيلاً، النعت الذي ألصقته أمريكا بهذا الوحش البشريّ، أيْ "الإرهابيّ رقم واحد"، ذلك لأنّ ما اقترفته الولايات المُتحدّة وما زالت، هو أعلى درجات الإرهاب المُنظَّم من قبل دولةٍ عظمى ضدّ الشعوب الفقيرة التي يحكمها الطغاة، فالشهداء الذين سقطوا في اليمن والعراق وليبيا، ارتقوا بـ"فضل" الدعم الأمريكيّ للقتلة والمُجرمين، الذين تبّرعوا للقيام بهذه الأعمال السيئة والقبيحة بالوكالة عن رأس الأفعى أمريكا، أوْ نيابةً عنها، وفي كلّ الحالات، فإنّ واشنطن، كانت وما زالت، ووفق كلّ المؤشِّرات، ستبقى زعيمة الإرهاب في العالم، وليس مُتخلِّفًا كالبغداديّ، كان مُتعطّشًا للدّم، عُلاوةً على كونه من الشاذين جنسيًا.
*** 
وعودٌ على بدءٍ: وفق الفيلسوف الألماني هيجل فإنّ نيل الاعتراف والتقدير هو مُحرِّك التاريخ، وهو الذي يدفع البشر إلى الدخول في عراكٍ مع الحياة حتى الموت، وبالتالي فإنّ البغداديّ، انتصر في هذا العراك بسبب الوحشيّة، التي ميّزت التنظيم الذي كان يرأسه، وبات اسمه تقريبًا على كلّ لسانٍ في العالم، ولكن، وهنا لكن كبيرةً، قتل أوْ تصفية أوْ اغتيال البغداديّ، لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال أنّ "داعش" قد انتهى، وفي هذا السياق لا بُدّ من التذكير بأنّ العملاء على مُختلف أنواعهم وجنسياتهم، يقومون بالمُهّمة التي يُكلّفون فيها، وبعد الانتهاء من تنفيذها، يقوم المُشغِّل بالتخلّص منهم وقتلهم لدفن الأسرار معهم، وذكر هذه السرديّة في هذا المقام والسياق لا تُعَّد ولا تُعتبر تبنيًا لنظرية المؤامرة لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، ويكفينا في هذه العُجالة التذكير بأنّ الولايات المُتحدّة اغتالت زعيم تنظيم القاعدة، الإرهابيّ أسامة بن لادن، وزعمت أنّها رمت جثثه في البحر، وما حصل مع البغداديّ، كان نُسخةً مُكرّرّةً من قتل بن لادن عام 2011، ذلك أنّه مثلما قال لينين: "الحقائق عنيدة، والكذبة التي يتّم تكرارها غالبًا ما تُصبِح حقيقةً"، فلِمَ لم نرَ أيّ شيءٍ ماديٍّ يجعلنا نؤمِن ونثِق بما يُمليه البيت الأسود في واشنطن؟.
*** 
وبعيدًا عن العنتريات العربيّة المتأصلة والمُتجذرة في قلوب وعقول الكثيرين من الناطقين بالضاد، نقول ونفصِل أيضًا: البغداديّ لم يكُن فريد عصره، وبالتالي سيجِد التنظيم، أوْ بالأحرى مَنْ أوجده، زعيمًا يترأسّه بعد "تغييب" البغداديّ، ولكنّ المُشكِلة لا تكمن في قضية الزعيم من عدمه، بل في الفكر الذي انتشر كالنار في الهشيم بعد "تأسيس" ما سُمِّيت بـ"الدولة الإسلاميّة"، والتي كان هدف إقامتها المُشاركة الفعالّة في تدمير وتفتيت سوريّة، في إطار الحرب الكونيّة على هذا البلد، الذي أطلق عليه القائِد والمُعلّم والمُلهِم، الراحل الباقي، جمال عبد الناصر، لقب قلب العروبة النابِض، ولا نكشِف سرًا عندما نسأل وبالصوت العالي: لماذا لم يقُم تنظيم (داعش) بتنفيذ أيّ عمليةٍ ضدّ كيان الاحتلال الإسرائيليّ، مع أنّه قتل بصورةٍ وحشيّةٍ وحيوانيّةٍ الآلاف من العرب والمُسلمين والمسيحيين؟ نسأل ونستدرِك جازمين أنّ هذا التساؤل لا يعني، مُباشرةً أوْ التفافيًا، دعوةً للقيام بعملياتٍ إرهابيّةٍ ضدّ الدولة العبريّة من قبل (داعش) أوْ غيره.
*** 
وقبل أنْ نختتِم لا بُدّ من الإشارة إلى المُفردات، المصطلحات والتعابير التي استخدمها معتوه أمريكا، ترامب، عندما أعلن عن عملية الاغتيال، فالوصف الدقيق الذي ساقه بلغته وكلماته كأنّه تمّ أخذه من المُعجم الخّاص بالحُكّام الشموليين والديكتاتوريين الظلاميين وليس لرئيس الولايات المُتحدّة، وأكثر من ذلك، الرئيس الأمريكيّ لجأ للغةٍ سوقيّةٍ شعبويّةٍ تُناسِب القاعدة الانتخابيّة الداعِمة له، والتي لا تختلِف بتاتًا عن الـ"جنرال ترامبو"، فهي أيضًا، مثله، مُتعطّشة للدماء، وبالتالي فإنّ الرئيس الأمريكيّ دغدغ مشاعِر هذه القاعدة وأثارها، ولا نستبعِد البتّة أنْ يكون اغتيال البغداديّ، هو البطاقة التي ضمِنت لترامب فترةً رئاسيّةً ثانيّةً.
*** 
المُشكلة الكبيرة لم تنتهِ مع التخلّص من البغداديّ، بل ربمّا ستتفاقم أكثر في ظلّ وريثه، إذْ أنّه للأسف الشديد باتت التربة خصبةً جدًا لانتشار تنظيماتٍ دينيّةٍ مُتطرفةٍ ومُتشدّدّةٍ في ظلّ الدعم غيرُ المحدود لهذه الحركات، وتحديدًا في الوقت الذي باتت فيه الطائفيّة والمذهبيّة من ألّد أعداء أمّة الناطقين بالضاد، بالإضافة إلى أنّ الثالوث الدنِّس المُؤلَّف من الإمبرياليّة، الصهيونيّة والرجعيّة العربيّة، سيُواصِل العمل بدون كللٍ أوْ مللٍ من أجل ترسيخ هذه الحركات، آخذين بعين الاعتبار ما هو تعريف النفاق الدينيّ، "النفاق الدينيّ أنْ ندّعي بأننّا أمّة اقرأ، وبأننّا نحترِم العلم والعلماء، وبأننّا روّاد حضارة إنسانيّة، في الوقت الذي نُقيِّد العقل، ونُكفِّر العلماء، ونُحاصِر العلم بالنص الدينيّ، وأكثر الكتب التي تُقرأ في مجتمعاتنا، كتب: الجنس والسحر والشعوذة وفنّ الطبخ".
كلّ داعش والأمّة العربيّة بخيرٍ.
 
 
 


للمزيد من مقالات

تعليقك على الموضوع